أبي منصور الماتريدي
397
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
--> - غريما لملازمته صاحبه . والغارمون ثلاثة أضرب : الضرب الأول : من غرم لإصلاح ذات البين ومعناه أن يستدين مالا ويصرفه في إصلاح ذات البين ، بأن يخاف فتنة بين قبيلتين أو شخصين فيستدين مالا ويصرفه في تسكين تلك الفتنة ، فيصرف إليه من الزكاة من سهم الغارمين سواء كان غنيّا أو فقيرا تشجيعا له على عمل المعروف واصطناع المكارم ، وكانت العرب تعرف ذلك في الجاهلية وتسميه حمالة ، فكان الرجل منهم يتحمل الحمالة ثم يخرج في القبائل فيسأل حتى يؤديها ، فورد الشرع بإباحة المسألة فيها وجعل لهم نصيبا من الصدقة . روى مسلم عن قبيصة بن المخارق قال : تحملت حمالة فأتيت النبي صلى اللّه عليه وسلم وسألته فيها ، فقال : « أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها » ثم قال : « يا قبيصة إن الصدقة لا تحل إلا لثلاثة : رجل تحمل حمالة فيسأل فيها حتى يؤديها ثم يمسك . . . » الحديث . وروى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة » ذكر منهم الغارم . وعند الحنفية : يعطى ما يقضي به دينه إن حل الدين ولم يبق له بعده قدر نصاب . الضرب الثاني : من استدان لإصلاح حاله أو لعمارة مسجد أو إكرام ضيف وعجز عن أداء دينه ؛ بأن كان لا يملك نصابا فاضلا عن دينه ولو له دين على غيره لكن لا يقدر على أخذه ، فيعطى من الزكاة ما يفي بدينه ؛ لقول أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - : « أصيب رجل على عهد رسول الله صلى اللّه عليه وسلم في ثمار ابتاعها فكثر دينه فقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : تصدقوا عليه ، فتصدق الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك » . فدل الحديث على أن من أصيب في ماله فهو غارم يباح له أخذ الصدقة سواء أكانت تطوعا أم واجبة . ويشترط عنه غير الحنفية أن يكون قد استدان لمباح ولو صرفه بعد ذلك في معصية ، وكذلك ما إذا كان قد استدان في معصية كشرب خمر أو زنا أو قمار ، لكن صرفه في مباح كأكل وشرب وملبس ، أو صرفه في معصية لكن تاب بعد ذلك توبة صادقة فإنه يعطى ، وإن لم يتب لم يعط لأن ذلك يكون بمثابة الإغراء له على ارتكاب المعاصي . ويشترط أيضا احتياجه للمساعدة ، بأن حل الدين ولم يقدر على وفائه وإن كان عنده ما يفي بجميع الدين فلا يعطى من نصيب الغارمين ، وإن صار فقيرا فإنه يأخذ بوصف الفقر . وقال مالك : يباع على المفلس دار سكناه ، فتباع في الدين ويسكن بالأجرة ، وكتب طالب علم ينتفع بها كآلة الصانع ، قيل : تباع في دين المفلس ، والأصح أنها لا تباع . واختلفوا : هل يقضي منها دين الميت أم لا ؟ فعند الشافعية وجهان : أحدهما : لا يجوز وهو قول الصيمري ، ومذهب النخعي وأبي حنيفة وأحمد . الثاني : يجوز لعموم الآية ، ولأنه يصح التبرع بقضاء دينه كالحي . وقال المالكية : يقضي منها دين الميت ؛ لأنه من الغارمين ، قال صلى اللّه عليه وسلم : « وأنا أولى بكل مؤمن من نفسه ، من ترك مالا فلأهله ، ومن ترك دينا أو ضياعا فإلي وعلي » . وقال أبو ثور : يقضي دين الميت وكفنه من الزكاة . وقال ابن كج : إذا استدان لإصلاح ذات البين ثم مات دفع ما يفك به تركته . الضرب الثالث : الغارم لضمان ، وهو من لزمه دين بطريق الضمان عن معين لا في تسكين فتنة ، فيعطى إن أعسر مع الأصل وإن لم يكن متبرعا بالضمان ، أو أعسر وحده وكان متبرعا بالضمان ؛ لأنه إذا غرم لا يرجع عليه بخلاف ما إذا ضمن بالإذن ، وصرفه إلى الأصيل المعسر أولى ؛ لأن الضامن -